هناك عدة احاديث مروية, بعضها في صحيح البخاري, في نصها (اكرر, نصها) مخالفات صريحة للحقائق العلمية, اشهرها حديث ان الشمس حين تغرب تذهب لكي تسجد تحت العرش, و ان هذا المكان هو المستقر المذكور في قوله تعالى "و الشمس تجري لمستقر لها".
و قد يشكل هذا النص على الكثير من الناس, و لكن الحقيقة انه لا يوجد اشكال ابدا, لان الاحاديث كلها مهما كانت, مروية بالمعنى, من الذاكرة, و ليست بالنص.
و لكي نوضح الفكرة يمكن ان نقارن الحديث بالقرآن,
فالقرآن عُني بنصه و حوفظ عليه و حمل في صدور الالاف كاملا و دون في صحائف متفرقة اولا ثم جمع في كتاب واحد على عهد عمر بن الخطاب. فهو منقول الينا بالنص كما نزل بالضبط.
اما الاحاديث فليست كذلك مطلقا و لا يمكن ان يتم تشبيهها بالقرآن ابدا.
في عصر التابعين و ما بعده كان الناس يروون الحديث و كان الغالب عليه كما هو غالب على الايميلات اليوم, كل من هب و دب يزعم انه سمع حديثا من رسول الله صلى الله عليه و سلم و يرويه و ربما يستخدمه ليبرر عملا او يدعوا الناس الى عمل معين, او او الخ. مثل ما اليوم تستلم ايميل يقوللك ان الببسي فيه شحم خنزير و ان التنفس من الاير كوندشن يسبب سرطان, و تجد الكثيرين يصدقون هذه الايميلات دون ان يتأكدوا منها ..! و هذا بالمناسبة ينطبق على كل الناس و ليس فقط العرب او المسلمين فهذه ظاهرة عالمية (حتى لا يأتي احد و يقول ان هذا يدل على غباء المسلمين). و في ذلك الزمن ايضا كانت تنتشر الاحاديث من دون اي ضوابط.
فماذا فعلوا؟ فكروا و وضعوا ضوابط و قواعد لقبول الحديث او رفضه. اول شي اذا تدعي عندك حديث, من اين جبته؟ و اللي اعطاك اياه من اين جابه؟ الخ .. و هذا كل الناس تعرف انه الحديث بيه سند يعني حدثنا فلان عن فلان عن فلان. طيب انت اصلا شخص موثوق ام لا؟ و اللي نقلت عنه موثوق ام لا؟ الخ .. بعض الناس يظن ان هذا فقط هو ما يحدد الحديث صحيح ام لا!
في الحقيقة المسألة ليست هكذا فقط. هناك امور اخرى, مثلا هل انت شخص حافظ ام كثير النسيان؟ و هل انت فعلا رأيت ذلك الشخص ان انه مثلا مات قبل ان تولد انت؟ او انه يعيش في بلد اخر بعيد و انت عمرك لم تسافر اليه؟ و كثير من الاشياء يجب ان ينظر فيها.
و لكن هذا ليس كل شيء. لو كان هناك حديث له سند واحد فقط .... حتى لو كان السند هذا مضبوط و ما فيه شي غلط .... فهنا توجد مشكلة اخرى, هل يعقل انه لم يسمع هذا الحديث احد سوى الاشخاص اللذين في هذا السند؟ يعني انت لو سمعته من شيخك, فهل هو سر اخبرك انت به فقط؟ لماذا لم يروه عنه احد غيرك؟
فاذا كان الحديث له طريق واحد (سلسلة واحدة) فهذا يضع عليه علامة استفاهم. و بالمثل اذا كان للحديث الكثير من الطرق, حتى لو كان كل سند على حدة يعتبر ضعيفا, و لكن كثرة الطرق قد تعني انه من الصعب انهم كلهم اتفقوا على الكذب فهذا يقوي الحديث.
المشكلة ان هذه الامور عادة تطبق على الرواة و لكن حين يصل السند الى صحابي فلا ينظر احد في شيء من هذه الضوابط لان الصحابة يفترض انهم كلهم عدول.
و لكن الصحابي ايضا قد يخطئ و قد ينسى فهو بشر, و عادة هناك فواصل زمنية كبيرة بين سماع الحديث و بين روايته. و هناك حالات قد ينكر فيها بعض الصحابة روايات يسمعونها من صحابة اخرين, مثل حديث رواه احد الصحابة ان الصلاة تبطل اذا مشى من امام المصلى كلب او امرأة او حمار, فانكرت عائشة رضي الله عنها هذا الحديث لسببين, اولا استنكرت معناه و هو ان تكون المرأة كالكلاب و الحمير, فلا يصح ان يصدر هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم, و السبب الثاني انها كانت في كثير من الاحيان تكون امام النبي صلى الله عليه و سلم في صلاته (بسبب ضيق مساحة الغرفة), فلو كان هذا يبطل الصلاة لنبهها الى ذلك و ما كان الامر ليمر مرور الكرام.
بل ان حديث الكلاب و الحمير اظن انه مروي في البخاري, و عائشة ردته و اظن ان ردها ايضا في البخاري.
النقطة الاخرى ان الاحاديث المروية من اكثر من صحابي و من اكثر من طريق, عادة توجد اختلافات لفظية كبيرة بينها, مع تقارب في المعنى. و لعل الكل يعرف عبارة "و في رواية اخرى قال كذا" اللتي تذكر كثيرا عند رواية الاحاديث.
فالصحابي حين يروي الحديث انما ينقل شيئا من ذاكرته الى من حوله, و الكثير من الصحابة عاشوا مع رسول الله زمنا طويلا و من المستحيل استحالة تامة ان يتذكر كل صحابي كل شيء حصل بالتفصيل و بالضبط.
و من شروط قبول الحديث ان لا يكون في متنه (نصه) شيء يقدح في صحته, مثل ان يكون فيه مخالفة للقرآن. فلماذا وضعوا هذا الشرط؟ اكيد لان احتمال وقوع الاخطاء و النسيان وارد جدا حتى لو كان كل من في السند حافظا و متقنا و لم يكن في السند ما يقدح فيه, احتمال الخطأ يظل واردا. فلهذا اذا وجدوا شيئا في نص الحديث يخالف القرآن او امر غير معقول يردون الحديث و لا يقبلونه كحديث صحيح.
الخلاصة من كل ما سبق:
الاحاديث تروى بالمعنى و ليس باللفظ.
فإذا ورد في لفظ اي حديث ما يخالف القرآن او ما يخالف حقيقة علمية ثابتة مقطوع بأمرها فإما ان الحديث ضعيف او ان نصه خاطئ و إن كان معناه العام صحيح.
فحديث ان الشمس عندما تغرب تذهب الى مكان ما و هو تحت العرش ثم تسجد لتستأذن الله تعالى ان تشرق من جديد, واضح ان نصه غير صحيح, و ان كان معناه العام ليس فيها ما يخرج عن القرآن, فهذا السجود نوع من تسبيح المخلوقات اللذي لا نفهمه. كما في قوله تعالى "و إن من شيء الا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم", فهذا المعنى موجود في القرآن و ليس من المستغرب ان يرد في حديث النبي صلى الله عليه و سلم, اما ما سوى ذلك من الالفاظ اللتي فيها مخالفة صريحة للحقائق الكونية فلا يمكن ان يصح, و مرد ذلك ببساطة الى ما ذكرته: ان الحديث يرويه الصحابي من الذاكرة, فهو يتذكر المعنى العام و لكن لا يتذكر التفاصيل كلها بالضبط, و انما يتذكر بحسب ما يفهم هو. و الانسان في كثير من الاحيان حين ينسى التفاصيل فان الدماغ يملأ الفراغات بحسب ما يختزن من مفاهيم. فإذا كان الصحابي لديه فهم عن الشمس انها تدور حول الارض, فمن الطبيعي انه حين يحاول تذكر التفاصيل سيتذكر شيئا يتفق مع مفاهيمه هو, فلو شخص من الف سنة جاء الى هذا العصر فترة قصيرة و رأى ناس تتحديث في الموبايل .. ثم عاد الى زمنه, و بعد عدة سنوات سأله شخص ما ماذا رأيت في المستقبل؟ سيصف ما رآه باشياء تناسب تصوره و ليس ما رآه بالضبط, فسيقول مثلا انهم يتكلمون عن طريق قطعة من الحديد. مع ان الموبايل ليس قطعة حديد .. و مع انه فيه عدة تفاصيل مثل انه يحتوي على ازرار و انه قابل للطي, الخ. و لكن الانسان لا يمكن ان يتذكر كل هذه التفاصيل.
و هذا ينطبق على اي حديث فيه مخالفة للحقائق و ليس فقط هذا الحديث: في الغالب اذا كان الحديث يعتبر صحيحا (مروي في الكتب الصحيحة او يصنفه علماء الحديث على انه حديث صحيح) و فيه مخالفة علمية .. فإن الخلل يكون في النص و ليس في المعنى العام, او في جزء من النص او المعنى و ليس بالضرورة فيه كله.
No comments:
Post a Comment